حينَ يكونُ للموتِ عينيك..


اسمها / د. عزة محمد
وظيفتها / أستاذة جامعية تخصص صعوبات تعلم
مكان التعرّف / جامعة الملك عبدالعزيز


عرفتها منذ التحقت بالجامعة للدراسات العليا ببداية العام الدراسي 1427هـ، لمْ نكمل العام بعد ..
أتذكر جيداً أول مرّة رأيتها..كان لها وقار بحجابها الأزرق الدائم ..ونظارتها الكبيرة..ووجهها النقي الذي لا يعرف أصباغ النساء ولا الألوان !
كنّا نُلاحظ جميعاً أنها لمْ تكن سعيدة ببيئة العمل..لمْ يكن ذلك الجو الذب توقعته هي تحديداً..!
في جلسة خاصة معها (لمْ تكن تفتح مجال كبير للعلاقات مع الطالبات خارج نطاق تعامل الأستاذة مع الطالبة) حدثتني عن ذكرياتها بالسعودية ، حدثتني عن عملها قبل حوالي خمسة عشر عام تقريباً بمدينة النماص جنوب السعودية،
كانتْ تقصُّ عليّ الذكريات بفرح يشعُ من عينيها..عن العلاقات الإنسانية البالغة الروعة بينها وبين الموظفات هناك وبين الطالبات.
عللت الأمر أن بنات المدن الصغيرة يختلفن عن بنات المدن الكبيرة..ويتضح مدى صدمتها من طالبات جامعتي!
أخبرتني كيف أنها ظلّت على مدى سنوات تتواصل مع طالباتها من بنات النماص بالرسائل البريدية..
تلك الساعة التي قضيتها معها كانت كفيلة بالولوج لأعماقها..واكتشاف جمال روح الإنسان داخلها..
تجادلنا حول كوب القهوة..! فقد أصرّت أن أشرب معها..وأنا وضّحت أني لا أشرب القهوة بجميع أصنافها..!
أصرّت..ورضختْ لأمرها بسرور..
شهدتُ عن بُعد الكثير من الخِلافات بمقر العمل ..تلك الخِلافات التي تشعر بها ولا تراها..! تلك المشكلات التي ترى شعلتها بنظرات العيون..وليسَ شرطاً أن ترى الصراخ والخصام..
أذكر بشهر ذي القعدة من العام الماضي بدأنا نشعر أن ثمّة شيء يحدث معها..
غيابها المتكرر..حديث البعض عنها..وهزالها الشديد..صحتها التي بدأت تذوي..لونها الذي بدأ يشحب..
حاولنا السؤال..لكن لمْ تكن هناك أي إجابات إلا أنها مريضة فقط!
لكنْ بمَ ؟ لمْ تكن هناك إجابة!
بفترة الاختبارات الأخيرة..تأكد لي شكّي..حول مرضها..
إنه السرطان!
كنّا نشعر وإن كنّا لا نعلم !
علمنا أنها مريضة جداً ولكنها تجاهد..لتصل لآخر يوم بعملها معنا..
لمْ يكن القرآن يُفارق يدها..في مكتبها..حقيبتها..في كل مكان..وبكل لحظة فراغ !
ذاتَ يوم كنّا بالمكتبة أنا وهي ود.سعيدة وهي صديقة لها ..كنتُ أطلعهما على موقعي الشخصي هنا..فتحنا صفحة التصوير ..أعجبتها جداً صور الحرم المكي وعاتبتني بشدّة على تربيتي لسكر ..ظلّت تحدثني عن مخاطر القطط والأمراض التي تسببها خاصة للمرأة..وظللتُ أبتسم..وأخبرها أن حبي للقطط ليسَ من باب الرفاهية أو التسلية ولكنه كـ حب الأطفال! شعورٌ أصيل!
لمْ تعلّق وملامحها تنطق بعدم الاقتناع..
وقبل أن أغادرهما..طلبتْ مني نسخ من صور الحرم المكي لتبقى لأولادها بمصر .
وبآخر أيام الامتحانات كنتُ أحضر لها قرص محمّل بكل الصور التي التقطتها للحرم المكي وبأكبر مقاس حتى يتسنى لها تكبيرها فيما بعد.
عامٌ واحدٌ فقط ذلك الذي قضته معنا ، عامٌ عرفناها فيه ولمْ نعرفها !
حاولتُ المساعدة بقدر الإمكان لاسيما ووقت السفر قد اقترب ، وكان هناك شبه يقين أنها سنتها الأولى والأخيرة للعمل بالجامعة ، أي قد لا نراها مجدداً بعد السفر لمصر .كان الوقت ضيّق لتقديم هديّة تبقى كذكرى ..لاسيما وقد أردتها هدية جماعية مني وزميلاتي..
فكرتُ بماء زمزم..ثمَّ فكرتُ بالبحث عن امرأة تقرأ القرآن..لعل مابها عينٌ وتزول!
طلبت رقم هاتفها قبل سفرها بأسبوع واحد فقط ، فلمْ يكن بيننا أي اتصال شخصي ، وأخبرتها أن هناك امرأة بجدة تقرأ القرآن وقد حجزتُ لها موعداً ،
لمْ تتردد أبداًً وأبدت موافقة سريعة ، التقينا هناك والمكان مزدحمٌ بالنساء من كلِ جنسٍ ولون وعمر..
كان القرآنُ بيدها ووجهها الشاحب مليءٌ بالإيمان ..ملونٌ بالابتسام..حتى وهي تعرفُ أن الغد قد لا يملك احتمالات متعددة!
بعد انتهاء لقاءها بقارئة القرآن أخبرتني أن المرأة نصحتها بعدم إجراء أي عملية جراحية..قالتها وهي تبكي , ولأول مرّة أراها تبكي..
خرجتْ وخرجتُ بعدها..
بعد اللقاء بيوم اتصلت بها ..أخبرها بأني مستعدة لتلبية أي طلبات لها من السعودية بعد سفرها لمصر ..شكرتني..
كانت رحلتها يوم الأحد ..اتصلت عليَّ قبل سفرها بلية مودعة وشاكرة لما كان بيننا..
لمْ يكن لديَّ من جديدٍ عنها..كان مقرر لها زيارة مراجعة بشهر شعبان وأذكر أني سألتها هل ستأتين ؟ أجابت: لا أعرف الظروف وقتها !
مرَّ شهرٌ وبضعةُ أيام ..
تلقيتُ اتصال قبل دقائق ..
د. عزة ماتت يوم الجمعة ..
متأثرة بتداعيات السرطان الذي تفشّى بكل أعضاء جسدها!

ظهر السبت 14/7/1428هـ
28/7/2007
الساعة 3 بعد الظهر

 


هيا الشريف

العودة إلى ثرثرة