نابل .. وجهٌ من البحر

 

 

نابل .. طفلةُ البحر .. لا أحد يعرفُ أكان البحرُ أمّاً لها أم أب ..

حالما تشقُّ الخُطى الأولى بها .. تشعر أنك تدخل لقطعة من التاريخ .. وأن العمر يعود بك لآلاف الأعوام بالخلف ..

يسألك البحر .. أيُّ ريحٍ أتت بك هنا .. ؟

وتجهلُ الإجابة .. فالقدر يحملُ الكثير والكثير من الأسباب .. ولا يمكن التكهن بسبب واحد فقط !

بعضُ الأسباب تأتي لاحقاً .. وأحياناً بعد عمر من الرحلة ..

ربما كان السبب .. أن ألتقي بـ سهير !

سهير .. ؟!

هي ملاكٌ من جنة الأرض .. الفرق أن الملائكة بالأرض نادرين جداً ..

وملائكة السماء لا حصر لهم ولا عدد ..

هي .. روحٌ من رائحة الياسمين .. والبرتقال ..

أليستْ نابل مدينة الياسمين والبرتقال !

باللقاء الأول بأرض المطار بتونس .. كانت  تحتملُ الانتظار .. وتنتظر المجهول ..

أنا : مُنتظرٌ مجهولٌ  لا يُعرف منه إلا جنسية البلد .. وهي جنسية تحملُ الكثير من التناقضات بالأفكار حولها .. ما بين مجهولٍ ومبهم وغائبٍ ومكروهٍ ومرغوب ..

جنسية دوماً مثار جدل .. وبالغالب الجدل الغير مجدي ..

ولكن إن كان المجهولُ معلوما .. هل كان سيبقى الوضعُ هكذا ؟

هي : وجهٌ غير مألوف لي .. مُنتظِر .. ثمّة قلقٌ تجاهها بأني تأخرت .. !

هي .. وجهٌ تتبدلُ ملامحه حالما يراني .. فمن المؤكد لمْ أكن بهيئة المُنتظر !

تلتفتُ لمرافقها .. وتهمسُ له .. وأتقدم أنا لها ..

أو لـ القدر !

نتبادلُ الأيدي .. مصافحة .. ولمْ يكن للقُبلات مكان .. إذ .. الوقت لمْ يكن كافياً .. ولا المكان .. !

تتقدم هي لـ تحمل حقائبي ..

هي .. تفعلُ ما ينبغي لها ..

وأنا .. أشدُّ يدها .. لأحمل الحقائب .. مكملةً .. : أحب أن تكون أشيائي معي!

كانت الجملة مرافقة لـ ابتسامة .. خذلها المكان أن تبرز !

بتلك اللحظة لمْ يكن كِلانا يُفكر بنفس الفكرة ..

أنا .. لمْ أشأ أن أتعبها .. أو أُشعرها أني مُرهقة .. !

هي .. لمْ تفهمني كهذا .. هي همستْ لـ روحها .. أيُّ ريحٍ أتت بهذا الكائن هنا .. !

ربما ساد بتلك اللحظة شعور عدم الثقة بيننا ..

ولكنه كان شكُ لديها .. ولمْ يكن ثمّة شكٌ أو يقين لديَّ !

كيفَ لنا أن نُشعر الآخر بالراحة لـ اللقاء الأول .. ؟

وماذا عن تأثير اللحظة الأولى والموقف الأول .. !

وهل يساهم الوقت والمكان والظروف .. في تبديل فكرة ؟

 

**

 

حجرة صغيرة بـ نزلٍ صغير .. ولكن لـ شرفة الحجرة .. نافذةٌ لـ السماء !

بحرٌ أزرق .. رملٌ أبيض .. نخلٌ فارعُ الطول .. وعصافير .. !

حينها .. تذكرتُ الجملة التي تقول : الخضرة والماء والوجه الحسن !..

كان يُمكن التعويض عن الوجوه الجميلة بالنسبة لأنثى !

فنحنُ لا نعشقُ الجمال .. بقدر ما نعشقُ الإحساس !

هنا .. بإمكانك أن تنسى العالم .. لتبقى هنا فقط .. محمّلاً بثقلِ الخوف من يوم الرحيل !

هنا .. بإمكانك أن تُسمي المكان .. بـ شاطئِ النسيان ..

كما تُسمى جزيرة ها هنا .. بجزيرة النسيان .. إذ وكما أخبرتني "فرح" أن الجزيرة ولجمالها الخاص قادرةٌ على أن تفقد المرء ذاكرته السابقة .. ليظلَ فيها ولها فقط !

وهنيئاً لمن كان الشريك !

"فرح" وجهٌ من نابل آخر .. ولكنه بنكهة الشوكلاتة .. ولونِ الفانيلا ..

شقيّة مشاغبة ثرثارة .. مليئة بالحكايا والقصص والأسئلة ..

وذاتها الروح مليئةٌ بالإجابات ..

رغم أنها تجاوزت السابعة عشر للتو !

فرح .. شامخةٌ بطولِ النخيل .. لها بسمةُ الدهشة الغنيّة بالجمال ..

تراها فترى جنون الطفولة .. تود أن تلتهمها بالقُبلات !

 

**

 

سهير .. ملاكُ نابل .. غامرةٌ بأعظمِ ثروات شمال الجزيرة ..

فكأن السؤال يبتلعني : أكانت حفيدة رجال الشمال .. ؟

حاتم الطائي .. !؟

لها ذات الروح .. العطاء .. المسؤولية .. الحنان ..

وأنا الغريبة عنها .. وعن طفلة البحر ..

كيف أصبحتُ لها مسؤولية لا تتنازل عنها قبل إتمام الأداء ؟

ومن يحدد عمر روح حاتم داخلها ؟؟

أليسَ اتفاق العرب على أيام الضيافة بـ ثلاث ؟

كيف أصبحت مع سهير بامتداد العمر .. المتمثل بـ ستةٍ من الأيام ؟

كنّا نتحدث بكل شيء ..

تناولنا عذاب السياسة .. شتمنا غباء الغرب بجهلهم بنا .. وغبائنا بالاندهاش الغير منطقي بهم .. !

تصفحنا قضايا عربية .. لمْ نترك أي ورقة بدون لمسة أنثوية ..

لمْ يكن ثمّة فوارق فكرية فيما بيننا ..

ولأول مرّة أجدُ أنثى تشبهني !!

وأنا التي كنتُ أعتقد على مر سنين العمر .. أن لا أنثى تشبهني !

 

**

 

نابل .. مدينةُ التاريخ ..

شوارعها الصغيرة .. عرباتها البالغة الصغر .. مقاهيها المنتشرة بكل شارع ..

ومنازلها البالغةُ الجمال .. صغيرةٌ تكتسي بالبياض المعتّق بلون البحر ..

النوافذ والأبواب .. لا يصبغها إلا الأزرق البارد ..

شرفاتها الملوّنة بلون البحر ..

وحدائق المنازل الصغيرة .. الغنيّة الفاكهة ..

أبوابها التي تطلُ من خلفها النساء .. باسمات ..

دكاكينها الصغيرة .. وأكياسُ البقول التي تقفُ ببابِ الدكّان ..

بائعُ الزيتون الشيخ الكبير .. وألوان الزيتون تتلون أمامه شهيّة لذيذة ..

تساعده زوجته العجوز .. وكِلاهما يرتديه وجهُ نابل الطيّب .. !

روحُ العلاقات الحميمية بين أبناء المدينة مرهقةٌ في تميّزها بالجمال ..

أشتري وسهير من بائع الزيتون .. وحالما ننتهي .. تتمنى له سهير ليلة سعيدة ..

آهٍ ما أجمل تلك العبارات المفقودة بروح الحضارة !

يعتصرني القلق .. ألهذا الحلمُ الجميل نهاية ؟

هل من مخدرٍ فلا أصحو أبداً !!

 

**

 

شوارعها المكتظّة بالشباب .. رغم أنها مدينة سياحية .. ونحنُ لسنا بفصل الصيف .. ولكنها مليئة بالحيوية  نابضة بالحياة !

حيثما تمضي .. تغمركَ الملامح العربية البسيطة ..

ولـ ملامح كِبار السن جمال آخر .. ذلك الذي يُجبرك على التقاط صور بالذاكرة .. فرغم كل سنين العمر التي تتجاوز السبعين والثمانين .. تجدهم يضعون وردة حمراء خلف الأذن !

فترى للحياة وجهً آخر مكتسياً عذوبة ..

نساءٌ ورجال على دراجاتٍ هوائية يحملون سِلالاً يدوية الصنع ..

وعليها "نابل" .. ووجهها الآخر صورة الجمل ..

حيثما تمشي بطرقات السوق القديم .. تختلطُ الملامح بين غرب وعرب .. أشقرٍ وأسمر .. تتشارك الطرقات مع  آخرين تجهل حتى لغتهم ..

وتبقى لغة الإشارة وتعني "السلام" ..

وما أحوجنا لـ سلامٍ يجمع مشرق الأرض بمغربها .. !

 

**

 

سهير ..

ستٌ من الأيام .. تشاركنا فيها التجوال والبحر والماء ...

تشاركنا حتى الأحلام !

نخلعُ حذائينا ونجلسُ على الساحل الرملي أمام البحر .. نغمرُ أقدامنا بالرملِ النااااعم .. ونغمضُ أعينا .. ونرحل مع الذكريات ..

هي .. وأنا .. وجهانِ لـ قصةٍ واحدة .. !

فهل كان الأمر صدفة .. ؟

أم هو القدر  أيضاً  ذلك الذي جعلنا نتقاسم الوجع .. كـ رغيف الخبز !

كثيراً ما خذلتني عينيَّ باليوم ماقبل الأخير ..

كلُ حديثٍ معها .. يجعلني أجاهدُ البكاء ..

ألمحتي لمعة الدموع بعينيَّ يا صديقة .. ؟

ولأن سألتني لمَ ؟

لا أدري !

ربما هو حزنُ اليوم ماقبل الأخير .. !

إذن ماذا عن الأخير .. ؟

أكتبكِ الآن ولمْ يتبقى من العمر معكِ إلا ساعات فقط !!

أكتبكِ .. ودمعي يبللُ وجنتي ..

هي المرّة الأولى .. منذ ميلادي على أرض تونس !!

فما أشقانا من بشر!!

وكلي خوف.. ألم .. بل رعب ..

أن أفسد الغد بدموع !!

وستقرأني سهير .. بعد إقلاع الطائرة لأرض الوطن ..

ويعود السؤال الذي تلقيته هذا المساء ..

: اشتقتِ للوطن ؟

فما هو الوطن إلا الإنسان .. ؟

وأنا وجدتُ الإنسان بملامح سهير !!

فمن يود أن يمدَّ يد الوداع ؟!!

الليلة كنّا نتشارك الخبز للمرّة الثالثة ..

وبكلِ مرّة كان الخبزُ من يدها هي !!

فكيفَ جاوزتِ الخبّاز في عمله ؟

وأصبحتِ الأفضل !!

 

**

 

وعلى رملِ البحر أيضاً .. تشاركنا عشق الأغاني ..

سلوى المغيّب والغياب ..

صرخنا لـ ماجدة .. وعبارات الحب .. وغادرتنا الأفكار بذكرى الأمس وما كان ..

لمْ تعد القلوب صناديق مغلقة ..

بل باتت مفتوحة ..

ورائحة الألم .. تنتشرُ منها .. ورغم هذا .. ملامح الوجه صادقة الأمل ..

 

**

 

سهير .. قدر السفر ..

اليوم سأغادر فهاهو الصباح يُشرق وهو يدقُّ الساعات والطبول ..

وكلُ ساعةٍ تمر .. لنْ يكون لها آخر ..

وكل لحظةِ نهار لنْ يُولد لها آخر ..

والليلُ لنْ يأتي !!

وسهير ... تحتلُ مساحات التفكير .. وتشغلني عن المكان والزمان والبشر !

أيامنا التي عشناها هنا .. أهي قادرةٌ على الحياة أبدا ؟؟

أم ستخوننا الأيام .. وننسى !

وهل من سبيلٍ لـ رد الوفاء لها .. ؟

لا أظن ولكن أتمنى !

ويُلح سؤال ..

متى تأتي رحلتها هي .. لأرض الوطن لي أنا .. !

أعليَّ الانتظار أعواماً وأعوام لتأتي ؟!

ومن يُجيد فعل الانتظار ؟

وهل تمر السنة كـالساعة !!

لا أعتقد إن كان الانتظار رفيقاً للوقت !!

فالمُنتظر دوماً متعب !!

وقليلاً ما يأتي ..

وإن أتى .. فله رائحة الياسمين ... !!

أكتبكِ .. وأنا أستلقي على سرير الذاكرة .. وتتناسلُ صور الأمس وما قبله ..

وتفسد اللحظة الجميلة صورٌ للغد !

فبعد أن ملأتِ أيامي ..

أأعود غداً لـ وحدتي ؟؟

وفراغي .. ؟

وأسئلتي اليتيمةُ بلا إجابات .. ؟

ونابل.. !

والوجوه والملامح والعيون ..

أنلتقي بها .. أم نظلُ مسافرين أبدا ..

مصيرنا الالتقاء و الرحيل ..

ويأتي آخر .. ليتحلَ المكان !

موجعة الأسئلة !

 

**

 

سهير ..

ملاك نابل ..

موغلةٌ بالطيبة .. والصدق والعطاء ..

موغلةٌ برهافة الإحساس ..

مسافرة مقيمة بأعين المارقين ..

كلماتها الجميلة عطرٌ لا يُفارق الأماكن ما بعد الرحيل ..

ساحرةٌ لها من القدرات ما يتجاوز قدرات البشر ..

إذ .. كيف يمكن لإنسان أن ينال رضا الجميع كما تفعل هي ؟!

 

**

 

وليتها تعرف كيف يخنقني السؤال ..

كيف أفعل معها كما فعلت هي معي ؟!!

أتسعفني الأيام .. والعمر والظروف ؟؟

أم سأظلً دوماً محملة بـ كنوز عطاءها الذي لا شبيه له ..

 

والآن ..

أيسألني البحر ..

أي ريحٍ أتت بكِ هنا .. ؟

وأي غاية من شرق بحر أحمر إلى جنوب بحر أبيض قادتكِ ..

 

فلا إجابة إلا : سهير! 


هيا الشريف

صباح الثلاثاء

16 مايو 2006

الساعة 8:15 (إقلاع الرحلة عند الساعة السادسة عصراً)

 

وفي حفظ قلبي أترككِ